الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
507
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
فاستفهم عن ذلك ، فأعلمته عائشة أنها طافت معهن فزال عنه ما خشيه من ذلك . انتهى . وقالت عائشة : يا رسول اللّه ، ينطلقون بحج وعمرة وأنطلق بحج ؟ فأمر عبد الرحمن بن أبي بكر أن يخرج معها إلى التنعيم ، فاعتمرت بعد الحج « 1 » . رواه الشيخان . وفي رواية لمسلم أنها وقفت المواقف كلها ، حتى إذا طهرت طافت بالكعبة والصفا والمروة ، ثم قال لها - يعنى رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : « قد حللت من حجك وعمرتك جميعا » ، فقالت : يا رسول اللّه ، إني أجد في نفسي أنى لم أطف بالبيت حين حججت ، قال : « فاذهب بها يا عبد الرحمن فأعمرها من التنعيم » ، وذلك ليلة الحصبة . زاد في رواية : وكان - صلى اللّه عليه وسلم - رجلا سهلا ، إذا هويت شيئا تابعها عليه « 2 » . وقد كانت عائشة قارنة ، لأنها كانت قد أهلت بالعمرة ، فحاضت فأمرها فأدخلت عليها الحج ، وصارت قارنة ، وأخبرها أن طوافها بالبيت وبين الصفا والمروة قد وقع عن حجها وعمرتها ، فوجدت في نفسها أن يرجع صواحباتها بحج وعمرة مستقلتين ، فإنهن كن متمتعات ولم يحضن ولم يقرنّ ، وترجع هي بعمرة في ضمن حجتها ، فأمر أخاها أن يعمرها من التنعيم تطييبا لقلبها . ثم ارتحل - صلى اللّه عليه وسلم - راجعا إلى المدينة ، فخرج من كدى « 3 » - بضم الكاف مقصورا - وهي عند باب شبيكة ، بقرب شعب الشاميين من ناحية قعيقعان . واختلف في المعنى الذي لأجله خالف - صلى اللّه عليه وسلم - بين طريقيه ، فقيل : ليتبرك به كل من في طريقه ، وقيل : الحكمة في ذلك المناسبة لجهة العلو عند الدخول لما فيه من تعظيم المكان ، وعكسه الإشارة إلى فراقه ، وقيل : لأن إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - لما دخل مكة دخل منها : وقيل غير ذلك .
--> ( 1 ) صحيح : أخرجه البخاري ( 317 ) في الحيض ، باب : نقض المرأة شعرها عند غسل المحيض ، ومسلم وقد تقدم . من حديث عائشة - رضى اللّه عنها - . ( 2 ) تقدم . ( 3 ) صحيح : أخرجه أبو داود ( 1868 ) في المناسك ، باب : دخول مكة . من حديث عائشة - رضى اللّه عنها - ، والحديث صححه الشيخ الألبانى في « صحيح سنن أبي داود » .